أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

مقدمة 38

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

من الأخبار مغموراً بالأخبار التي تجري مجرى الأسمار والخرافات التي لا فائدة فيها غير استجلاب النوم بها ، والاستمتاع بأنس المستطرف منها ، حتّى ضاع بينها وتبدّد في أثنائها ، فبطل الانتفاع به ولم يتّصل لسامعه وقارئه اتصالًا يربط بعضه بعضاً ، بل تنسى النكتة منها قبل أن تجيء أختها ، وتتفلّت من الذهن قبل أن تقيّدها نظيرتها ، ويشتغل الفكر بسياقة خبرها دون تحصيل فائدتها » « 1 » . وبحسب تعبير السيّد محسن الأمين ( ره ) في ترجمة الشيخ حسن صاحب ( المعالم ) : « . . الناس اعتادوا المبالغة في الفضائل بما يغيّر حقائقها . . » « 2 » ، وقد علّقنا على بعضها بما يقتضيه الحال كما سيظهر لك في ذيل بعض الأخبار : من قبيل أنّ السيّد الصدر ( ره ) قرأ ( قصّة الحضارة ) بمجلّداتها الثلاثة والأربعين خلال أسبوع عند تأليفه ( اقتصادنا ) ، في حين لم يكن الكتاب قد اكتمل بلغته الأم سنة تأليف السيّد الصدر ( ره ) ( اقتصادنا ) ، ويفترض أن يكون قد صدر من طبعته العربيّة إلى هذه الفترة ستّة أجزاء فحسب « 3 » . أو أنّه ألّف ( الحلقات ) اعتماداً على الذاكرة وبدون الاستعانة بشيء ، في حين صرّح أحد مقرّري أبحاثه الأصوليّة المطبوعة أنّه استعان بتقريرات بعض زملائه ؛ لأنّ تقريرات الاستصحاب كانت لا تزال عند أستاذه السيّد الصدر ( ره ) ، حيث أخذها منه للاستعانة بها على تأليف ( الحلقات ) « 4 » . إلى غير ذلك من الموارد التي ستظهر لك في ثنايا الكتاب . وهناك بعض الأخبار التي لا يسعنا سوى التحفّظ عليها على الصعيد الشخصي أو على طريقة تصويرها ، ولا نملك شيئاً موضوعيّاً يدفعنا إلى ردّها . ومثالٌ على ما لا نميل إليه ما يتعلّق بكتاب ( الأسس المنطقيّة للاستقراء ) : فقد أورد بعض تلامذة السيّد الصدر ( ره ) - نقلًا عنه - أنّه على الرغم من عدم دراسته الرياضيّات في المدرسة ، إلّا أنّه كان يجلس في الليل و ( يشخبط ) ، فينتج مطلبٌ رياضيٌّ ، وهو ما أودعه في ( الأسس ) . بينما يقابل هذا النقل نقلٌ آخر ، وهو أنّه اتّفق مع أحد أساتذة الرياضيّات في بغداد ، فكان يقصده في أيّام الخميس والجمعة والعطل ليدرس لديه الرياضيّات « 5 » . ونحن في موارد من هذا القبيل نميل إلى التصوير الثاني لا الأوّل ، بل ربّما أمكن الجمع بينهما إذا أخذنا بعين الاعتبار ما قد يصيب الخبر من تحريف لدى تناقله ، فقد يكون جواب السيّد الصدر ( ره ) عن سؤال تلميذه الذي سأله أنّه من أين جاء بالرياضيّات في كتاب ( الأسس ) مع أنّه لم يدرسها في المدرسة ، بأنّه كان يجلس في الليل ويعمل على حلّ تمارين الرياضيّات والتمرّس فيها ، وهو ما يمكننا أن نعتبره منسجماً مع دراسته لدى أساتذة الرياضيّات في بغداد ؛ لأنّه كان يدرس لديهم المبادئ فحسب ، وكان عليه أن يمرّن نفسه بنفسه في البيت . ولكن لمّا أراد هذا الطالب

--> ( 1 ) تجارب الأمم 2 : 1 ( 2 ) أعيان الشيعة ( ط . ق ) 95 : 5 ( 3 ) انظر : قصّة الحضارة 1 : ك ؛ وانظر : أحداث سنة 1379 ه - ( 4 ) انظر : شهيد الأمّة وشاهدها 82 : 1 ، ثمّ : بحوث في علم الأصول 5 : 6 ، وانظر حولهما أحداث سنة 1397 ه - ( 5 ) انظر أحداث سنة 1385 ه - .